عبد الملك الخركوشي النيسابوري
262
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
درجات محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته ، قال : يا موسى ، إنك لن تطيق ذلك ، أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي ، قال : فكشف له عن ملكوت السماء ، فنظر إلى منزلة فكادت نفسه تتلف من أنوارها وقربها من اللّه عزّ وجلّ . قال : يا رب ، بماذا بلغت بهم هذه النزاهة ؟ قال : بخلق اختصصتهم به من بين خلقي وهو الإيثار ، يا موسى ، لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره إلا استحييت من محاسبته ، وثوابه من جنتي حيث يشاء » . وعن بعض الصوفية قال : كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد ، فتبعنا كلب من البلد فلما بلغنا باب الجهاد إذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع خال وقعدنا ، فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع إلى البلد ، وبقينا ساعة أو ساعتين وإذا بذلك الكلب ومعه مقدار عشرين كلبا ، فجاء إلى تلك الميتة ، وقعد ناحية ووقعت الكلاب على تلك الميتة فما زالت تأكل تيك وذلك الكلب قاعد ينظر إليها حتى أكلت الميتة كلها ، وبقي العظام ورجعت الكلاب إلى البلد ، فتقدم ذلك الكلب إلى تيك العظام فأكل مما بقي على تلك العظام قليلا ، ثم انصرف . ويروى عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد اللّه قال : « كان فيمن كان قبلكم رجل عبد اللّه سبحانه سبعين عاما ، فأصاب خطيئة ، فأحبطت خطيئته عبادة سبعين عاما ، فأقعد من رجليه ، فخرج ذات ليلة فقعد مع قوم مساكين ، وكان يأتيهم رجل بخبز معدود ، فيعطى كل رجل رغيفا ، فجاء تلك الليلة فأعطاه فيمن أعطى ، وترك رجلا ممن كان يعطى ، فقال له الرجل : يا عبد اللّه ، ما منعك أن تعطيني كما كنت تعطيني ، فغضب وقال : جئت بخبز معدود وأنتم عدة معلومة ، فأعطيت كل رجل رغيفا وأنت تقول لم لم تعطني ، واللّه لا أدفع لك الليلة شيئا ، فتركه وذهب ، فعمد الرجل إلى الرغيف الذي أعطيه فأعطاه الرجل ، فقبل اللّه تعالى منه عبادة سبعين سنة ، وغفر له خطيئته ، وأقامه على رجليه ، ومات فأدخله الجنة » . واجتمع إبراهيم بن أدهم ، وشقيق البلخي في بلد من البلدان ، فقال شقيق لإبراهيم : كيف تعملون أنتم ؟ قال : في ماذا ؟ قال : في التوكل ، قال : إن أعطينا شكرنا ، وإن منعنا صبرنا ، فقال شقيق : كذا عندنا الكلاب ببلخ أن أطعمت بصبصت وإن زجرت انزجرت وصبرت فقال إبراهيم : فكيف تعملون أنتم ؟ قال : إن أعطينا آثرنا ، وإن منعنا شكرنا فقام إبراهيم وقبل رأسه ، وقال : أنت الأستاذ .